jeudi 5 mai 2016

المزمار الثاني ... نبضات بين الشويلاء

المزمار الثاني
نبضات بين الشويلاء

كان البيت الذي رأيت فيه النور
مكونا من طابقين
سفلي له فناء يتوسط الدار 
ينفتح اليه مطبخ وغرفتان
كما يربطه الرواق 
الذي يؤدى الى الباب الرئيسي
والى المدرج 
الذي يصعد الى الطابق العلوي
وهذا الأخيرهوعبارة عن سطح 
توجد به غرفة ثالثة
لها وظيفة إيواء الضيوف 
عند زيارتهم لنا
والباب الرئيسي يطل على زقاق 
درب ابن المجاد
وهو زقاق من بين الأزقة 
المتفرعة عن درب سيدي مسعود
لم يكن البيت ملكا لأبي
بل كان لمالك لا أعرفه 
لم يخبرني أحد من أهلي عن اسمه أوهويته
لكن عندما أصبح ملكا لرجلين أخوين شقيقين
أسعفني القدر أن أتعرف عليهما
وهما من قبيلة امتوكه
ولهما متجر بعرصة المعاش 
يبيعان فيه مادتي السكر والشاي
وكان هذا الحي وقتها 
مكتضا باليهود المغاربة
الذين يتجرون في مادتي الشاي والسكر
لتلبية حاجة سكان المدينة من هتين المادتين
ولكن بالأخص لترويج هذه التجارة
في كل أنحاء غرب الأطلس الكبير 
سيما شرقه حتى الحدود مع الجزائر
كان للسيد عبد السلام وأخيه إدر 
وهما الأخوان المالكان للبيت الذي نسكنه
دار تقع بزاوية سيدي الزوين
على بعد خمسين كيلومتر من مراكش
على الطريق المؤدية إلى الصويرة
وللإفادة كان وقتها السفر إلى آكادير من مراكش
لا يتأتى إلا عن طريق تيزينتيست
أو مرورا بمدينة الصويرة
أو كذلك مرورا عبر تيزينتشكه 
الى تازناخت ثم تالوين فتارودنت
وهذا الخط الأخير كان طويلا وشاقا
موضوع هذا المزمار يتعلق برحلة 
قمنا بها إلى سيدي زوين
خلال فصل الربيع لسنة 1948
قصد زيارة هذه القرية 
إثر دعوة وجهها السيد عبد السلام لأبي
بمناسبة فصل الربيع
كان عمري أيامها لا يتجاوز سن الخامسة إلا بضعة أشهر
وكان أخي عبد العزيز لم يتجاوز بعد العام الثاني من عمره
كان برفقتنا أختي الكبرى زبيدة 
وهى تكبرني بأربع سنوات ونيف
وعمتي مباركة شقيقة أبي 
وخالتي الياقوت
التي هى بمثابة أمي الثانية
والتي كانت ترعاني عندما كنت رضيعا
وكان برفقتنا كذلك ثلاثة أقارب 
كان أبي يرأس القافلة
أتذكر أن الرحلة تمت على متن حافلة
تربط مراكش بسيدي زوين
قبل وصولنا الى الزاوية
نزلنا من الحافلة وتوجهنا الى ضريح سيدي ياسين
ثم انتقلنا الى ضريح سيدي عبد الخالق ابن ياسين
حيث قضينا الليلة على ضوء الشموع
وفي الصباح الباكر قصدنا الزاوية مشيا على الأقدام
وبعد بضع ساعات وصلنا اليها
كان المؤذن يعلن صلاة الظهر 
من فوق مسجد سيدي الزوين
كان في استقبالنا السيد عبد السلام وابنه حسن
نزلنا بداره حيث استقبلنا باقي الأهل
وعلى رأسهم أخوه السيد إدر
وهنا تكمن المفاجأة
طفلة في سنتها الرابعة من العمر تقريبا
انفصلت عن أمها وهرولت نحوي
ثم أخذت بيدي وأدخلتني إلى فناء دار الضيافة
كان هذا الفناء مقسما الى أربع مربعات
تتوسط كل مربع شجرة ليمون 
ويحيط به حاجز من الشويلاء
يصل علوه الى صدري
وكنت لأول مرة أرى فيها شجيرة الشويلاء
هذه النبتة ذات اللون الأخضر الباهت
والتي تضاف الى الشاي والنعناع
وتعطي مشروبا أكثر مرارة 
يتناوله أهلي في فصل الشتاء
ويبدو أن له فوائد جمة
لم أكن وقتها على علم بهذه التفاصيل
كل ما هناك أنني كنت مبتهجا 
برؤية الشويلاء
وكنت مبتهجا أكثر 
أنني وجدت في هذه الرحلة
طفلة تقربني سنا 
ستغني رحلتي بمفاجآت
كانت ابتسامتها تملآ محياها
وكان بريق عينيها ينفذ بردا وسلاما 
داخل كياني الصغير
فيشدني الى جانبها 
لا أفارقها لحظة واحدة
كانت تأخذ بيدي 
فنطوف عدوا حول المربعات الأربعة
كانت رائحة أزهار الليمون 
تمتزج برائحة الشويلاء
وتعطر الفضاء 
وتنعش النفس
كان الجو صحوا 
والسماء بهية الزرقة
كانت أسراب الطيور 
تمر بين الفينة والأخرى
وتملآ الفضاء بتغاريدها 
ورفرفة أجنحتها
الجميل في هذا كله أن عبيشة 
وهو اسم الطفلة
لاتتكلم نفس اللهجة التي أتكلم بها
كانت تتكلم باللهجة الأمازيغية 
السائدة في بيت أهلها
كان بالنسبة لي أول مرة 
أتحاور مع طفلة لا أفهم لهجتها
هذا لم يمنع أن التواصل بيننا كان قويا
لأن الطفولة لها قدرة اختراق 
كل الحواجز الإجتماعية
سيما خلال السنوات الأولى من العمر
قضينا أنا وأهلي أسبوعا كاملا 
في ضيافة أسرة السيد عبد السلام
وفي صباح اليوم الثامن 
قرر أبي العودة الى مراكش
فالعمل ينتظره 
والمهنة لا تقبل أي غياب
ولا يجوز العبث بالإلتزام 
الأمر الذي يفقد الصانع مصداقيته
هذه الأمور لم أكن أفهمها وقتئذ
ولكن تلقيتها من أبي فيما بعد
عندما ودعنا أسرة السيد عبد السلام
أجهشت عبيشة في البكاء
ثم شدت بيديها النحيلتين على ثيابي
وصاحت في وجه أبيها قائلة بالأمزيغية 
أريد أن يبقى "احميد" معنا
ابتسم السيد إدر 
وترجم لنا ما تريده عبيشة
رفعها بيديه وضمها في حضنه 
وكفكف دموعها
ثم قال لها 
أعدك أننا سنلتحق ب"احميد" في الأسبوع القادم
أثناء طريق العودة كنت أردد في نفسي 
بعض الكلمات الأمازيغية
التي علمتني إياها عبيشة
وكنت أعود بذاكرتي الى الأوقات 
التي قضيتها برفقتها
كانت من أحلى أوقات طفولتي
كانت فعلا نبضات بين الشويلاء
حامد البشير المكي
يناير 2013

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire